المتاحف/ متحف أرض اللبان 3
7 نوفمبر, 2007ما زالت جولاتنا في متاحف العالم متواصلة، وهذه المرة إطلالة على إحدى المتاحف العربية الحديثة الإنشاء في عالم العربي، نحط الرحال اليوم في سلطنة عُمان وتحديدًا في الجزء الجنوبي منها، للتعرف إلى إحدى المواقع الأثرية المهمة والمعروفة بالبليد والقابع بين جنباتها متحفنا لهذه الجولة.
متحف أرض اللبان..

تم افتتاح هذا المتحف حدثيًا في ذكرى يوم النهضة العُمانية السابعة والثلاثين في 23/يوليو/ 2007م، ويقع في منتزه البليد الأثري في مدينة صلالة. ويُظهر هذا المتحف من خلال اقسامه وقاعاته عُمان عبر تاريخها الطويل الممتد من 7000 سنة إلى عصر النهضة الحديث بعد العام 1970م، وقال جورج زوين مدير المشروع “إن المتحف صُمّم ليكون مزاراً سياحياً وقبلة للباحثين. هو متحف صغير لكنه يعطي نبذة شاملة عن عمان منذ بداية وجود الأرض العمانية حتى اليوم”. ويحوى متحف أرض اللبان, والذى بات بالامكان اعتباره واحدًا من أهم المتاحف العُمانية، شواهد عن معالم وحضارة وتاريخ عمان فى مختلف العصور مع مختلف حضارات العالم بحكم العلاقات التجارية مع الموقع الجغرافي.
قام على تنفيذ وإنشاء هذا المتحف مجموعة من العلماء والخبراء اللبنانيون والفرنسيون، استمر العمل فيه حوالى سنتين، وتبلغ المساحة الاجمالية له 2200 متر مربع، ويلقي المتحف الضوء على تاريخ الأرض التي كانت موطن شجرة اللبان التي تنتج الموادَّ الأساسية لتصنيع البخور. واللبان العماني مشهور في العالم عبر التاريخ بسبب جودته العالية.
ويضم متحف ارض اللبان قاعتين هما (قاعة التاريخ) و(القاعة البحرية) حيث تشتمل قاعة التاريخ على ستة أقسام. وتحتوي القاعة البحرية على سبعة أقسام.
قاعة التاريخ:
1. القسم الأول: في هذا القسم يمكن التعرف على جغرافية عُمان وتضاريسها وامتداد سواحلها مع جزرها وخلجانها لأكثر من 3,165 كم وبمساحه تصل إلى 309،500 كم مربع والتي جذبت إليها الهجرات السكانية عبر التاريخ، كما يوضح القسم موقع السلطنة وما يمثله هذا الموقع من تقارب حضاري ساهمت فيه عُمان مع الشعوب الأخرى في صياغة الأحداث التاريخية الهامة التي شهدتها المنطقة.
2. القسم الثاني: يظهر عُمان في الأزمنة القديمة مع تسليط الضوء على مراكز الاستيطان التي وجدت في أرجاء مختلفة من عُمان منذ البدايات الأولى للحضارة الإنسانية المتمثلة بحضارة الصيد على السواحل وحضارة إنسان العصر الحجري معرجًا على استقرار الإنسان وإتقانه الزراعة وتربية الحيوان والإنتاج البدائي لسد حاجاته من الغزل والنسيج والأواني الفخارية والأدوات المعدنية، وتشير المعروضات بالقسم إلى العصر البرونزي الذي تمكن فيه العُمانيون من استخراج النحاس وممارسة التجارة مع البلاد المجاورة وبلاد الرافدين والهند والصين حيث قامت حضارة متعددة السمات كما تدل الشواهد والآثار في مختلف مناطق عٌمان.
3. القسم الثالث: يحمل عنوان (أرض اللبان) ومن خلال هذ القسم يمكن التعرف على ظفار خلال العصور الماضية وكيف أنها كانت مصدرًا رئيسًا لإنتاج وتصدير اللبان، وكما يمكن التعرف على المسميات العديدة التي حملتها هذه الأرض مثل ( أرض عاد وبلاد بونت وبلاد الشحر) كما تشير المخطوطات بالقسم إلى الاعتقاد السائد بأن الأحقاف التي ذكرها القرآن الكريم هي الأرض التي تقع فيها ظفار والتي عرفها الفراعنة والفينيقيون والإغريق والرومان والفرس والهنود والصينيون ونعتوها بمسميات مختلفة وأقاموا معها علاقات تجارية ووصفوا ساحلها بشاطئ اللبان والبخور وكان الإغريق يسمونه عُمانا.
4. القسم الرابع: يحمل اسم (إسلام أهل عمان)، ومن خلال هذا القسم يمكن للزائر التعرف على التاريخ الإسلامي لعُمان وكيف أن العُمانيون دخلوا الاسلام طواعية بعد ان وصلهم مبعوث الرسول صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص، ولذلك خلد الرسول ذكراهم بدعائه (رحم الله أهل الغبيراء - أهل عمان - آمنوا بي ولم يروني). كما يبين القسم دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لعُمان بالقول (اللهم إهدهم اللهم زدهم العفاف والكفاف والرضا بما قدرت لهم اللهم وسع عليهم في ميرتهم وكثر خيرهم من بحرهم ولا تسلط عليهم عدوًا من غيرهم). وتذكر الموءرخات بالقسم مساهمة العُمانين في نشر الإسلام عبر الفتوحات الإسلامية والمعاملات التجارية ودورهم البارز في علوم الفقه واللغة والبحار والأدب مما اعطى عُمان هوية متميزة بالاستقلالية والتسامح والتي كانت من اقوي دعائم إقامة الدولة.
5. القسم الخامس: يطلعنا على (ملامح من التاريخ العُماني) حيث يمكن الاطلاع على العديد المحطات التاريخية المختارة في هذا القسم التي تروي عن التاريخ العُماني وتسلط الضوء على نماذج من الأحداث والوقائع التي كانت عُمان مسرحًا لها أو كان العُمانيون طرفا فيها. كما توضح المعروضات السيطرة العُمانية على أنحاء مختلفة من ضفاف الخليج وبحر العرب والساحل الشرقي لأفريقيا بحلول القرن الثامن عشر لتؤسس بذلك حضورها القوي في المحيط الهندي، وتشرح هذه المعروضات كيف أصبحت مسقط من أهم الموانئ العالمية بفضل مهارة أبنائها التجارية والبحرية، ومع ظهور الآلة البخارية وحضور الأساطيل الأوروبية إلى المنطقة تراجع الأسطول العماني وتواري دوره التجاري وانحسر معه دور عُمان لفترة طويلة حتى قيام النهضة المعاصرة عام 1970م.
6. القسم السادس: ويشير هذا القسم إلى(نهضة عمان المعاصرة) ومن هنا يمكن الإطلاع على ما حققته السلطنة من انجازات عظيمة خلال العصر الزاهر بعد عام 1970م.
القاعة البحرية:
1. القسم الاول: يشير إلى (التراث البحري) ومدى معرفة العُمانيين بالملاحة منذ العصور القديمة ونشاطاتهم في ظل الازدهار التجاري لحضارتي بلاد الرافدين ووادي الاندوس وصولًا إلى إقامة شبكة علاقات منتظمة لقرون طويلة مع الهند والصين والساحل الشرقي لأفريقيا وبلاد حوض البحر المتوسط ثم المملكة المتحدة والولايات المتحدة الامريكية. ويظهر هذا القسم العديد من المحتويات التي تظهر مفردات البيئة البحرية ومهارات عمليات الإبحار ولمحات تاريخية هامة عن علاقة عُمان بالبحر، وتقف نماذج من السفن العُمانية التقليدية (من هذه النماذج: السنبوق، الهوري، الغنجة، البغلة، البيتل…وغيرها) في هذه القاعة شاهدًا قويًا على المهارة البحرية والاتقان في صناعة السفن.
2. القسم الثاني : تشير معروضاته إلى ارتباط سكان عُمان بالبحر الذي يعد أحد مصادر العيش واحد وسائل التواصل مع الأخرين.
3. القسم الثالث: يظهر المهارة العُمانية في بناء القوارب والسفن الشراعية في الفترات التاريخية ومنذ ألاف السنين حتى أن البعض من هذه السفن لايزال يستخدم حاليًا في عدد من المناطق العُمانية، وتشير المعروضات إلى الترابط بين ما وفرته البيئة العُمانية من امكانيات وما تم الحصول عليه من مواد مستوردة من السند وبلاد الرافدين.
4. القسم الرابع: يحمل عنوان (الابحار) تشير معروضاته إلى أهمية الملاحة الناجحة، وتستعرض الطرق المستخدمة لمعرفة مسارات النجوم وحركة الشمس والقمر لتحديد الموقع والالمام بقراءة تجمعات السحب ولون الماء والامواج والاستعانة بالطيور في تحديد اتجاه اليابسة حيث يعرض القسم أجهزة قديمة وحديثة تساعد في الإبحار منها الاسطرلاب، والبوصلة.
5. القسم الخامس: يستعرض التجارة البحرية العُمانية، وتشير المعروضات إلى اللبان والموانئ التي كانت تنقل منه كسمهرم والبليد وريسوت، كما تعرف هذه المعروضات بميناء صحار الذي كان من المصادر التي تعمل على تصدير النحاس للحضارات القديمة، وكانت تلك البضائع تبادل بالتوابل والعاج والحرير والخشب والذهب حيث تشير مخطوطات ووثائق صينية إلى أن أول البحارة العرب الواصلون الى الصين كانوا من عُمان في العام 750م، كما أن أحمد بن نعمان الكعبي كان أول مبعوث عربي يصل إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1840م، وكان السلطان سعيد بن تيمور أول حاكم عربي يزور الولايات المتحدة الأمريكية عام 1938م.



-
صور من موقع سمهرم الأثري، وجانب من خور روري في الموقع ذاته
6. القسم السادس: أو ما يعرف بـ (واقع البحر الافتراضي) يعرض نموذج للسفينة البغلة وهي أحد أنواع السفن الكبيرة التي كانت تستخدم للرحلات البعيدة من عُمان إلى زنجبار وممباسا، والزائر بامكانه تخيل نفسه في سفينة حقيقية، ويعرض هذا النموذج كافة المستلزمات الضرورية في الرحلات البحرية. ويعرّف هذا القسم بالمخاطر والمعاناة في مثل هذه الرحلات واللحظات التي تعبر عن فرحة العودة الى الوطن.
7. القسم السابع: يعرض ما جلبته (النهضة) من اختراعات كاختراع المولدات البخارية واستخدامها في السفن الأمر الذي أدى إلى منافسة كبيرة بين الدول أدت بدورها إلى إنكفاء الأسطول العُماني المكون من السفن الشراعية وتراجعه في تلك المرحلة وانحسار المستوى المعيشي وصولًا إلى دخول عُمان في مرحلة النهضة في العام 1970م، حيث تفاعل العُمانيون لبناء وطنهم والاستفادة من معطيات العصر الجديد كبناء الموانئ الحديثة واقتناء السفن المتطورة لسد حاجاتهم المعاصرة.
……..
البليد الأثري
مدينة البليد يعود تاريخها إلى فترات زمنية تعود إلى ما قبل الإسلام وكانت تمثل مركزًا سكنيًا منذ نحو 2000 عام قبل الميلاد حيث برزت خلال العصر الحديدي المتأخر كمدينة مركزية نشطة كما أنها ازدهرت في العصور الاسلامية. ووصف كل من الرحالة الكبار (ماركو بولو) و (ابن بطوطة) مدينة البليد على أنها أكثر المدن ازدهارًا وواحدة من أكبر الموانى الرئيسية على المحيط الهندي مما جعلها مركزًا تجاريًا مزدهرًا انذاك حيث تمتد رقعة تصدير اللبان فيها لتصل إلى الصين وروما.

-
نبذة تاريخية عن البليد الأثري
وقد تم اكتشاف هذا الموقع وتصويره للمرة الاولى في عام 1930م من قبل بترام توماس بينما بدأت التنقيبات الاثرية فيه للمرة الاولى في عام 1952 من قبل البعثة الأمريكية. وفي عام 1977م قامت وزارة التراث والثقافة بتنفيذ برنامح مسح لموقع البليد والذي هو عبارة عن مجموعة من المعالم الاثرية تغطى مساحة مستطيلة تصل إلى 64 هكتارا يحيط بها جدار عالي من ناحية الشرق والشمال وخندق صغير من ناحية الغرب. ويؤكد خبراء الاثار أن البليد كانت مدينة محصنة بأسوار عالية ولها باب كبير وأبراج مراقبة على جوانب الأسوار. وما زالت التنقيبات مستمرة فى موقع البليد الأثرى الذى توالت على عمليات التنقيب فيه بعثات اميركية وفرنسية والمانية وايطالية.

-
خريطة تبين تفاصيل مدينة البليد الأثرية

-
موقع برج سور مدينة البليد
وقع اختيار منظمة اليونسكو لمواقع أرض اللبان بمحافظة ظفار كونها موطن شجرة اللبان وبلاد المنشأ والتصدير ،ويعد وضعها على قائمة اليونسكو للتراث العالمي الثقافي والطبيعي قيمة مضافة لكنوز عُمان وتراثها الحضاري استنادا إلى حيثيات علمية ومعايير عالمية. ويعد خبراء الاثار البليد من بقايا المدينة الإسلامية الأثرية الأكثر أهمية على ساحل بحر العرب.
وتقسم مدينة البليد إلى ثلاثة أقسام هي (القسم التجاري) الذي يقع في الجهة الشرقية والقسم السكني والخدمي في الوسط، أما المسجد والحصن فيقعان في الجهة الغربية ويحيط بها من الجانب الشمالي والشرقي والغربي خور البليد الذي يتراوح عمقه مابين مترين إلى 6,5 مترًا، وكان الخور يستخدم لنقل البضائع ما بين المدينة والسفن الراسية في البحر وهو بمثابة ميناء طبيعى للسفن الصغيرة، كما يعمل على حماية المدينة من فيضان المياه التى تصب في البحر بالإضافة إلى الحماية من هجمات الغزاة .

-
جانب من خور البليد

-
شاهد قبر من البليد
ويوفر متنزه البليد الأثري للسياح فرصة التجول في الموقع عبر عربات صغيرة تستغرق رحلتها حوالى 8 دقائق، يشاهد الزائر أعمدة آثار الجامع الكبير الذي يضم 144 عموداً تشكل ثلاثة عشر صفاً موازياً لدار القبلة، ومعظمها مثمّن الأضلاع، بالإضافة إلى مساجد صغيرة ومقر الحاكم وسوق المدينة ومساكن السكان.

-
جانب من الجامع الكبير

-
قبلة الجامع
كذلك يوفر المتنزه للسياح فرصة ركوب قوارب خشبية صغيرة يدوية تتطابق مع القوارب التاريخية للبليد لنقل السياح في جولة عبر الخور الذي يحيط بالموقع والذي كان سابقاً يستخدم لنقل البضائع والأغراض من السفن الراسية في البحر إلى المدينة.

-
قوارب السياح
عزيزة العذوبي
مجلة مدارات- العدد 15
المصدر:
الشبكة المعلوماتية
زيارة شخصية للموقع من قبلي
أضف تعليق